| الصفحة الرئيسية | » | الحج | » | مقالات | » | الحجّ عبر الحضارات والاُمم(2) / ماجدة المؤمن |
الحجّ في الديانة اليهوديّة:
مارس اليهود الحج بأشكال مختلفة ، واتجهوا إلى أماكن متعددة ، واتخذت كل فرقة من فرقهم وجهة معينة ، تحجُّ اليها في أعيادها الخاصة ، وعلى وفق مذهبها وتعاليمه وعقيدتها ، وما تفرض عليها من الأوامر والنواهي . . .
وفكرة الحج ، ليست طارئة على اليهود ، فقد كانت منتشرة آنذاك ، فمن كان على دين ابراهيم (عليه السلام) ، كان يعرف الحج ويمارسه في بيت الله الحرام ، ومن كان من الأقوام السامية ، فانه يحج إلى المعابد والهياكل وقبور الموتى ، وغير ذلك مما وجدناه في الحضارات والأمم.
فاليهود كغيرهم ، حجوا ومارسوا طقوساً خاصة بالحج ، وسفر الخروج في التوراة حدّد لهم أعياداً دينية سنوية يزورون فيها مقدساتهم بملابس خاصة أو جديدة ، وينحرون ويطوفون ويقرأون الأدعية والتعويذات الخاصة وغير ذلك ، وحجهم خليط من حج وضعي وحج سماوي ، فهو صورة جديدة بين حج
--[159]--
وثني باطار توحيدي .
والظاهر أن حج اليهود كان فرضاً واجباً أوجبته التوراة عليهم ، هذاما يؤكده النص التالي :
آ«والحج إلى معبد من المعابد عادة سامية قديمة جعلت حتى في الأجزاء القديمة من أسفار موسى الخمسة فرضاً يجب أداؤه ، فقد ورد في سفر الخروج ، في الاصحاح الثالث والعشرين ، الآية الرابعة عشرة : آ«ثلاث مرات يعيّد لي في السنةآ» وفي الآية الثالثة والثلاثين من الاصحاح الرابع والثلاثين آ«ثلاث مرات في السنة يظهر جميع ذكورك أمام السيد الرب إله إسرائيلآ» وربما كان في بلاد العرب أيضاً أماكن كثيرة للحج حيث كانت تقام شعائر شبيهة بالحج إلى عرفاتآ» (1) .
وفي كل عيد من هذه الأعياد الثلاثة اتخذت الفرق اليهودية حجاً الى أماكن معينة ، ففي يوم الاستغفار (عيد المظال) كانوا يحجون إلى جبل سيناء ، وفي عيد الفصح إلى بيت المقدس ، وفي عيد استير وعيد المطر و . . . و . . . الخ يتجهون إلى أماكن أخرى ، كما سنرى من خلال البحث ان شاء الله . . .
مع هذا ، وعند استقرائنا للتوراة ، لم نجد ذكر مكان معين خاص للحج على لسان نبيهم موسى (عليه السلام)كوعد الهي لهم ، ونتساءل هنا : هل الله تعالى لم يشرع لهم فريضة الحج إلى مكان معين ، أم رواة وكتبة النصوص الدينية التوراتية تجاوزوا ذكرها ، أم تعمدوا تحريفها لعنصريتهم المعروفة؟
ولهذا تعددت اماكن الحج ، وكثرت اليها الرحلات اليهودية في الأعياد السنوية ، ويكاد كل موضع يبدأ اسمه بكلمة آ«بيتآ» يكون مكان حج وزيارة سابقاً أو لاحقاً ، فمثلا آ«بيت المقدسآ» و آ«بيت إيلآ» وآ«بيت آوِنآ» كان بالقرب من بيت إيل وآ«بيت إصِلْآ» في يهوذا وآ«بيت حورآ» بالقرب من القدس وآ«بيت هاجَنَّآ» في المكان الذي ولد فيه عيسى (عليه السلام) في بيت لحم وآ«بيت هاشطةآ» وبيوت أخرى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ(1) دائرة المعارف الإسلامية 7 : 305 .
--[160]--
وأخرى كثيرة يطول الكلام في عدّها وذكرها ، يمكن الرجوع إلى الكتاب المقدس (العهد القديم والعهد الجديد) حيث أحصاها وعدّها عدّاً . . . وفي تحديد أوقات الحج ، يقول د . حسن ظاظا : أما الأوقات التي يحجون فيها فهي موازية لأعيادهم وهي ثلاثة أوقات :
1 ـ عيد الفصح : ويقع في فصل الربيع ، ومدته 7 أيام تبدأ يوم 15 نيسان في التقويم اليهودي .
2 ـ عيد الحصاد أو الأسابيع (شبو عوت) ، ومدته يوم واحد ، 6 من شهر سيوان اليهودي ، ويقع في أوائل الصيف (يونية) .
3 ـ عيد الظُلل : (سوكوت) ومدته ثمانية أيام ، ويأتي في الخريف ، ويبدأ يوم 15 تشري اليهودي ، ويسمون هذه المواسم آ«الثلاثة الاعتياديةآ» يستحب فيها الحج; لاقترانها بالكثير من الصدقات (1) .
وجهة النبيّ موسى (عليه السلام) في الحج
ومن الضروري والمناسب أن نعرف وجهة كليم الله النبي موسى (عليه السلام)في الحج ، قبل أن نقف على ما حرّف اليهود من شريعة موسى (عليه السلام) نبيهم الذي ينسبون أنفسهم إليه ، ويدّعون أنهم من أتباعه ومحبيه والسائرين على خطه وتعاليمه . . .
عند تتبعنا للأخبار والروايات والأحاديث الواردة من السُنة الشريفة لا نجد الكليم موسى (عليه السلام)توجه بوجهة معاكسة أو مخالفة لما توجه إليها أنبياء الله والمرسلون فهو (عليه السلام) حج وطاف ولبى في بيت الله العتيق مقتدياً بسنة آبائه وأجداده من الأنبياء ، ومجيباً لأوامر السماء ، هذا ما تؤكده الروايات في حجه (عليه السلام) ، نختار منها :
روي عن ابن عباس أنه
قال : آ«كنّا مع رسول الله
(صلى الله عليه وآله)بين مكة والمدينة ، فمررنا بواد ، فقال :
أي واد هذا؟ قالوا : وادي الأزرق ، قال : كأني أنظر موسى صلى الله
عليه وسلم (فذكر من طول شعره شيئاً لا يحفظه داود ـ أحد رواة
(1) طقوس الحج عند اليهود ، د . حسن ظاظا ، الفيصل ، العدد 210 : 10 .
--[161]--
الحديث ـ ) واضعاً أصبعيه في أذنيه ، له جؤار إلى الله بالتلبية ماراً بهذا الوادي ، قال : ثم سرنا حتى كذا وكذا . . . الخآ» (1) أي ذكر حجه إلى مكة المكرمة والكعبة الشريفة .
وروي عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) : مرّ موسى بن عمران (عليه السلام) في سبعين نبياً على فجاج الروحاء . . . يقول : لبيك عبدك ابن عبديكآ» (2) .
وعن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) أيضاً أنّه قال : آ«أحرم موسى من رملة مصر ، قال : ومرّ بصفائح الروحاء محرماً ، يقود ناقة بخطام من ليف ، عليه عباءتان قطونيتان ، يُلبي وتجيبهُ الجبالآ» (3) .
وروي عن الإمام الصادق (عليه السلام)أنّه قال : آ«مرّ موسى النبي (صلوات الله عليه) بصفائح الروحاء على جمل أحمر ، خطامه من ليف عليه عباءتان قطونيتان وهو يقول : لبّيك يا كريم لبيكآ» (4) .
وجاء في أخبار مكة : آ«حج موسى النبي على جبل أحمر فمرَّ بالروحاء عليه عباءتان قطونيتان متزر بأحدهما مرتدي بالأخرى فطاف بالبيت ، ثم طاف بين الصفا والمروة فبينا هو بين الصفا والمروة إذ سمع صوتاً من السماء وهو يقول : لبيك عبدي أنا معك ، فخر موسى ساجداًآ» (5) .
والنبي موسى (عليه السلام) من كبار الأنبياء والرسل ، وفي مصطلحاتنا الإسلامية يُعدُّ من أُولي العزم ، وعليه فلا يمكن أن ينحرف في حجه إلى الوجهة غير الصحيحة وغير المرضية عند الله تعالى ، وإذا وجدنا هناك انحرافاً في اليهودية فهو في قومه الذين خالفوه ، ولم يلتزموا بتعاليمه وأوامره مما أخذهم الله تعالى بانحرافهم وذنوبهم ، فكانوا قوماً مهانين ومغضوباً عليهم إلى يوم يبعثون ، قال تعالى فيهم :
}وضُربت عليهم الذلةُ والمسكنة وباءوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ(1) سنن ابن ماجة 2 : 965 ، محمد بن يزيد القزويني ، الحلبي وشركاه .
(2) وسائل الشيعة 12 : 385 ح16574 .
(3) وسائل الشيعة 9 : 54 .
(4) بحار الأنوار 99 : 185 ، الطبعة البيروتية .
(5) أخبار مكة ، الأزرقي : ص68 ـ 69 .
--[162]--
عَصَوا وكانوا يعتدون { (1) .
انحراف اليهود في حجهم
لم يتبع اليهود سُنة كليم الله موسى (عليه السلام) ، نبيهم الذي توجه في حجه الى بيت الله العتيق كما مرّ علينا سابقاً ، بل حرّفوا أغلب تعاليم دينه ومن ضمنها الحج ، ومن الملاحظ أن : آ«الحج عند اليهود في الوقت الحاضر ليس بفريضة عندهم ولا بركن من أركان العبادة كما هو في الإسلام ، فهو على أكثر تقدير يشبه (العُمرة) عند المسلمينآ» (2) .
وانقسم (3) اليهود بعد الكليم (عليه السلام)الى عدة فرق ، وكلُّ فرقة اتخذت لها وجهة ومكاناً تحج إليه بوضع تعاليم وطقوس وشعائر خاصة بها .
ولنعرض قسماً منها على سبيل المثال لا الحصر :
1 ـ توجه قسم منهم إلى بيت المقدس وهيكل سليمان (عليه السلام) .
2 ـ والقسم الآخر إلى جبل النبي موسى (عليه السلام) في طور سيناء .
3 ـ وآخرون إلى بئر الحي الرائي بالقرب من مدينة الخليل .
4 ـ ومنهم من توجه إلى (بقاع مباركة) ـ حسب تعبيرهم ـ أهمها الجبال الشامخة والتلال والآبار وعيون الماء وأماكن طبيعية أخرى .
وسنحاول ان شاء الله تعالى تفصيل هذه النقاط قدر استطاعتنا ، وبيان الأساليب المتبعة في حجهم وتاريخه والمواقع الجغرافية لكلّ منها .
الحج إلى بيت المقدس
يُعدُّ بيت المقدس أو القدس من أهم الأماكن المقدّسة لدى اليهود ـ إضافة إلى أهميته عند المسيحيين والمسلمين ـ لذلك تميّز حجهم لهذا البيت بقدسية ومعنى خاصين .
عظّم اليهود بيت المقدس وخاصة فرقة (يهوذا) المنحدرة من داود وسليمان (عليهما السلام) ، خصوصاً بعد بناء النبي سليمان (عليه السلام) للهيكل المعروف في القدس الشريفة بـ (هيكل سليمان) .
آ«وقدسية بيت المقدس عند اليهود تاريخها مقارناً لبناء سليمان
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ(1) البقرة : 61 .
(2) طقوس الحج عند اليهود ، د . حسن ظاظا ، الفيصل ، العدد 210 : 10 .
(3) انقسم اليهود بعد موسى (عليه السلام) إلى عدة فرق ودويلات من الناحية السياسية ومن الناحية القبلية ومن الناحية الدينية ، والذي يهمنا هنا انقسامهم من الناحية الدينية ، فقد انقسموا إلى خمس فرق دينية ، وهي : فرقة الفريسيين وفرقة الصدوقيين ، وفرقة السامريين ، وفرقة الحدسيين ، وفرقة القرائين .
--[163]--
الهيكل ، والهيكل المعبد المركزي لليهود الذي صار حرماً للحج وقبلة للصلاة منذ عهد داود وسليمان (عليهما السلام) ، وهذا المعبد الضخم تعرض عبر تاريخه ولحد الآن إلى أحداث جِسام لم يبق منه إلاّ جزء من جدار ، يعرف عند اليهود باسم (الجدار الغربي) وعند سائر الأُمم باسم آ«حائط المبكىآ» وهو جدار من سور يرجع إلى عهد هيرودس المعاصر لمولد المسيح (عليه السلام)آ» (1) .
والقدس : مدينة تقع وسط فلسطين فوق تل صخري من تلال اليهودية على ارتفاع (762م) على بُعد حوالى 5كم من يافا ، وهي المدينة الجديدة . . . أما المدينة القديمة فتقع بآثارها الدينية بالمملكة الأردنية الهاشمية .
وبيت المقدس : هو البيت الذي فيه مقدسات الأديان الثلاثة (اليهودية ـ والمسيحية ـ والإسلام) وتضم المدينة القديمة معظم الأماكن المقدسة . كان اليهود يعتقدون أن جانباً من أحد جدران المسجد الأقصى بني بأحجار أخذت من هيكل سليمان ، وهو الجدار المعروف بحائط المبكى . . . وقد تكون هي شليم ، المذكورة في سفر التكوين ، وجعلها داود عاصمته بعد انتزاعها من اليبوسيين ، وأقام سليمان هيكله العظيم بها ، فزاد من بهائها وعظمتها ، واتخذها ملوك يهوذا عاصمة مملكتهم . التي ظهر فيها كثير من عظماء الأنبياء من بني اسرائيل الذين نادوا برسالتهم في شوارعها .
ويُقال : آ«ما فيها موضع شبر إلاّ وقد صلّى فيه نبيآ» (2) .
آ«حارب اليهود العرب لانتزاعها من ايديهم ، واضطر اليهود إلى أن ينزلوا للعرب عن المدينة القديمة ، ولكن المدينة الجديدة لا تزال في قبضتهمآ» (3) .
المهم ، أنّهم ـ فرقة يهوذا ـ اتخذت من بيت المقدس وهيكل سليمان محجةً سنويةً لها في العيد السنوي الديني المسمى بـ (عيد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ(1) طقوس الحج عند اليهود ، د . حسن ظاظا ، الفيصل ، العدد 210 : 9 .
(2) معجم البلدان 1 : 112 .
(3) انظر الموسوعة العربية الميسرة : 454 .
--[164]--
الفصح) (1) .
وأهم المراسم المتبعة فيه هي آ«الضحيةآ» أي القربان أو آ«الهديآ» في المصطلح الإسلامي ، يقدم إلى الرب أو الإله ، وهذا القربان تؤكده وصايا تلمودهم (2) ، التي تختلف اختلافاً كبيراً مع الوصايا المنصوص عليها في التوراة في مسألة آ«الضحيةآ» ، فالتوراة أوصاهم بتقديم آ«ثورآ» (3) قرباناً للرب في عيد الفصح . أما تعاليم التلمود فكانت توصيهم أن تكون الضحية من البشر :
وآ«تختار الضحايا أو الذبائح في عيد الفصح من الأطفال ، الذين لا
تتجاوز سنهم العاشرة أو تزيد عنها قليلا . ويمزج دم الضحية بعجين الفطائر
قبل تجفيفه أو بعده . . .
ويستنز اليهود دم الضحية بطرائق كثيرة :
فأحياناً يتم ذلك عن طريق آ«البرميل الابريآ» وهو برميل مثبت على جوانبه
من الداخل إبر حادة توضع فيه الضحية حيّة فتنغرز هذه الإبر في جسمها ،
وتسيل الدماء ببطء من مختلف الأعضاء ، وتظل كذلك في عذاب أليم حتى تفيض
روحها ، بينما يكون اليهود الملتفون حول هذا البرميل في أكبر نشوة بما
يبعثه هذا المنظر في نفوسهم من لذة وسرور . وينحدر الدم إلى قاع البرميل
ثم يصب في إناء مُعد لجمعهآ»
(4) .
وآ«أحياناً تقطع شرايين الضحية في عدة مواضع ليتدفق الدم من جروحها . وأحياناً تذبح الضحية كما تذبح الشاة ويؤخذ دمها ، وبعد أن يتجمع الدم بطريقة من الطرق السابقة أو غيرها تسلم إلى الحاخام أو الكاهن أو الساحر ، الذي يقوم باستخدامها في إعداد الفطائر المقدسة أو في عمليات السحرآ» (5) .
أما الزمان أو الوقت الذي يحجون فيه إلى بيت المقدس ، ليقيموا شعائرهم في عيدهم الديني هذا ، فهو اليوم الرابع عشر من الشهر الأول من سنتهم الدينية وهو شهر نيسان ، ويحتفلون فيه بنجاة موسى (عليه السلام) وبني إسرائيل من فرعون وقومه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ(1) انظر الموسوعة العربية الميسرة : 454 .
(2) التلمود : تعاليم دينية وضعها علماء اليهود ، وهي كالرسائل العملية عندنا ، مع فارق لا قياس فيه .
(3) العهد القديم ، سفر الخروج ، الاصحاح 29 : آ«خذ ثوراً واحداً ابن البقر وكبشين صحيحين و . . . الخآ» راجع .
(4) اليهود واليهودية ، د . علي عبدالواحد وافي : 44 ـ 45 ، وكتاب حقائق وأباطيل ، فوزي محمد حميد : 141 ـ 200 .
(5) المصدر نفسه ، ومن المعلوم عندهم أن يكون دم الضحية من غير اليهود ، وإذا كان دم مسيحي فيكون أفضل عندهم .
--[165]--
وخروجهم من مصر (1) .
والفصح في اللغة (فصح أي الفسح أو الخروج أو المرور) .
وقد ورد أن هذا العيد آ«عيد اليهود ، 15 نيسان (الشهر السابع في التقويم العبري) ويسمى أيضاً عيد الفطير ، وفيه خروج بني إسرائيل من مصر هرباً من فرعونآ» (2) .
وعن قضية التضحية بالأطفال يقول وِل ديوارنت :
آ«لقد كان اليهود الأقدمون يشتركون معَ الكنعانيين والمؤابيين والفينيقين والقرطاجنين وغيرهم من الشعوب في عادة التضحية بطفل ، بل بطفل محبوب ، لاسترضاء السماء الغضبي ، ثم أصبح في الإمكان على توالي الأيام أن يستبدل بالطفل المجرم المحكوم عليه بالإعدام ، وكان البابليون يلبسون هذا الضحية أثواباً ملكية ، لكي يمثل بها ابن الملك ، ثم تجلد وتشنق ، وكان هذا نفسه يحدث في رودس في عيد كرونس . وأكبر الظن أن التضحية بحمل أو جدي في عيد الفصح ليست إلاّ تخفيفاً لهذه التضحية البشرية اقتضاه تقدم المدنيّةآ» (3) .
والظاهر أن اليهود في الحال الحاضر يضحون بحمل أو جدي في حجهم إلى بيت المقدس ، وقتلهم للبشر اتخذَ صوراً أخرى . . .
جبل موسى (عليه السلام) في صحراء سيناء
اعتقد اليهود أن الجبل الواقع في طور سيناء ، الذي يبعد (320) كيلومتراً عن منطقة عيون موسى والذي يبلغ ارتفاعه (7600) قدم ، هو الجبل الذي كلّم الله تعالى موسى (عليه السلام) فيه ، وأنزل عليه الألواح المقدسة . . . فقدسوا هذا الجبل جيلا بعد جيل وحجّوا إليه ، وعدّوه من المقدسات اليهودية المهمة .
وقد صرّح الاستاذ (منشه حاريل) استاذ الجغرافيا الدينية وتاريخ الأديان بالجامعات العبرية قائلا : آ«إن اليهود يحجون كلّ عام . . . ومن القرن السابع الميلادي حتى اليوم الى جبل موسى ، ويتحملون مشقة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ(1) انظر العهد القديم ، سفر اللاوبين ، الاصحاح 23 ، الفقرات 5 ـ 9 .
(2) الموسوعة العربية الميسرة : 1247 .
(3) قصة الحضارة ، مج6 ، 1 : 264 .
--[166]--
الوصول إليه ، وتسلق (3800) درجة للوصول إلى قمته ، التي يعتقدون أن موسى كلّم ربّه فوقها ، وتلقى منه الرسالة والوصايا ، حتى أصبح ذلك الجبل بالنسبة لهم كالكعبة بالنسبة للمسلمين . ولا يقل عدد من تحملوا مشقة ذلك الحج عن العشرين مليون يهودي ، حتى أصبح ذلك الجبل من المقدسات الدينيةآ» (1) .
ثم بيّن خطأ اعتقادهم وصرّح في حديث له نُشر في مجلة المختار الألمانية عام (1974م) بأنّ كلّ ما ورد ببحوث البعثة الأمريكية صحيح ، وأنّه يتفق مع النتائج ، التي توصلت إليها بحوث معهده ، وتمَّ تسجيلها وإعداد مخططاتها من بضع سنوات ، فالجبل الذي يحجون اليه ليس هو نفسه الجبل الذي كلّم الله تعالى موسى (عليه السلام) فيه .
ولما سئل عن سبب عدم موافقته على نشرها واعلانها رسمياً قال : آ«فإعلان تلك البحوث أو الحقائق التاريخية ستخيب آمالهم وتفقدهم ثقتهم في اسطورة تحولت إلى عقيدةآ» (2) .
والحقيقة ، أنّ التوراة تذكر مشخصات وعلامات لجبل موسى (عليه السلام) تختلف عما موجود في الجبل الذي يحجون إليه سنوياً كبُعده من عيون موسى ، وارتفاعه وغيرها من العلامات . . . ووصف الأرض أنّها أرض مناجم الفيروز والنحاس ، الذي اشتهر اليهود بصناعتها والتجارة فيها في ذلك الوقت (3) .
فالجبل الذي يحجون إليه سنوياً بعيد عن عيون موسى ، وأكثر ارتفاعاً من الجبل المذكور في التوراة ، والذي كشفته البعثة الأمريكية للآثار ، وليس لمناجم الفيروز والنحاس وجود فيه . . .
إذن هذه العقيدة الإسطورية لليهود ، أصبحت واضحة للعيان كوضوح الشمس في ظهر النهار أنّها بِدعة ابتدعتها أنفسهم بعد ميلاد عيسى المسيح (عليه السلام)بسبعة قرون ، ومثلها تعاليم التلمود ، ومثلها من تدوين التوراة من قبل ، وهكذا . أما
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ(1) فرعون موسى ، د . سيد كريم ، مجلة الهلال ، العدد 5 : 73 ، عام 1975م .
(2) المصدر السابق .
(3) راجع سفر الخروج (العهد القديم) يبين ويوضح جغرافية ذلك المكان .
--[167]--
مناسك حجهم إلى هذا الجبل ، يمكن بيانها من خلال الموازنة التي أجراها (هوتسما) ( Houtsma) بين الوقوف ـ وقوف المسلمين في عرفات ـ وبين إقامة بني إسرائيل على جبل سيناء ، فهؤلاء يعدون أنفسهم لهذه الإقامة بالامتناع عن النساء (سفر الخروج ، الاصحاح 19 ، آيه 15) ، وبغسل ثيابهم (الخروج ، 19/10 و14) وبذلك يقفون أمام الرب ، وعلى هذا النحو لا يقرب المسلمون النساء ويرتدون ثياب الإحرام ويقفون أمام الخالق في سفح جبل سيناءآ» (1) .
ومن مناسك هذا الجبل أيضاً ، الاستسقاء من ماء عين (شيلوه المقدسة) ولهذا الاستسقاء تعويذة خاصة ، وإنارة المعبد ، وكذلك الضحية (الهدي) وأمور أخرى ، إضافة إلى ذلك فإن وقت هذا الحج لهذا الجبل ، يكون عادةً في عيد المظال أو (يوم الاستغفار) (2) ، آ«فمن الطبيعي عند البحث في معناه الأصيل أن نوازن بينه وبين عيد الخريف عند سامي الشمال ، وهو عيد المظال (أو يوم الاستغفار) وهو أمر نجد له ما يؤيده أيضاً من أن عيد المظال في التوراة غالباً ما يطلق عليه للايجاز اسم آ«حجآ» (سفر القضاة ، الاصحاح 21 ، الفقرة 19 ، وسفر الملوك الأولى ، الاصحاح الثامن ، الفقرات 2 و65) . . .آ» (3) .
بئر الحي الرائي بالقرب من الخليل
وهناك فرقة أخرى من اليهود قدست هذه المنطقة التي فيها (البئر المقدس) وحجت إليها ، وما زالت هذه الفرقة تعتقد أنّها بلد جدّهم الأعلى إسحاق بن الخليل ابراهيم (عليهم السلام) ، ومدينة إقامته ووفاته .
جاء في التوراة : آ«وكان بعد موت إبراهيم أن الله بارك إسحاق ابنه ، وأقام إسحاق عند بئر الحي الرائي و . . . الخآ» (4) .
وذكرت التوراة أيضاً أنّ إسحاق تزوج من (رفقة) في ذلك المكان في حياة أبيه إبراهيم (عليه السلام) واُمّه سارة :
آ«وكان إسحاق قد أتى من وُروُد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ(1) دائرة المعارف الإسلامية ، مجموعة من المستشرقين 7 : 306 .
(2) راجع المصدر نفسه : 310 .
(3) دائرة المعارف الإسلامية ، مجموعة من المستشرقين 7 : 306 .
(4) العهد القديم ، سفر التكوين ، الاصحاح 25 ، الفقرة 11 .
--[168]--
بئر لحي رُئي . إذ كان ساكناً في أرض الجنوب ، وخرج إسحاق ليتأمل في الحقل عند إقبال المساء ، فرفع عينيه ونظر وإذا جِمالٌ مقبلة ، ورفعت رفقةُ عينيها فرأت اسحاق فنزلت عن الجمل ، وقالت للعبد : مَن هذا الرجل الماشي في الحقل للقائنا؟ فقال العبد : هو سيدي . فأخذت البرقُعَ وتغطّت ، ثم حدَّث العبدُ إسحاق بكلّ الأمور التي صنع ، فأدخلها إسحاق إلى خِباء سارة أُمّه ، وأخذ رفقة فصارت له زوجة وأحبهاآ» (1) .
ولهذه القصة في هذا المكان المقدس ، لها وقع خاص في قلوب اليهود; لذلك قُدست المنطقة وقُدس ماءُ بئرها .
ومنطقة (بئر الحي الرائي)
تقع بالقرب من مدينة الخليل ، والخليل على بُعد (44) كم
جنوب
بيت المقدس ، وهي مدينة حبرون القديمة ، وفيها قبر الخليل إبراهيم وزوجه
سارة وإسحاق ويعقوب وقبر رفقة ، ويضمّ هذه القبور مسجدٌ كبير
(2) .
ولهؤلاء الخمسة مكانة خاصة عند بعض اليهود; لذلك قُدست قبورهم وأماكن ذكرياتهم ، واعتبرت مكاناً يُحج اليه ، ويتقرب بهم إلى الله في تقديم الأضاحي والنذورات والهدايا ، وقراءة الأدعية والتضرع والتخشع والبكاء; للحصول على النعيم الاُخروي من خلالهم ولرضا الربّ الالـه .
ويقول د . حسن ظاظا في الحج الى هذه المنطقة :
آ«وبئر الحي الرائي ، بالقرب من الخليل ، وقباله سنديانة قمْرا ، كثير من أتقياء اليهود يحجون اليها حتى اليوم ، لِما جاء في التوراة : وكان بعد موت إبراهيم أنّ الله بارك إسحاق ابنه ، وأقام إسحاق عند بئر الحي الرائي ، وتزوج عندها في رفقة قبل موت ابويه سارة وإبراهيمآ» (3) .
معبد (بيت إيل) بالقرب من نابلس (4)
عظمت هذا المعبد فرقة أخرى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ(1) المصدر السابق ، الاصحاح 24 ، الفقرات 62 ـ 67 .
(2) انظر الموسوعة العربية الميسرة : 764 .
(3) طقوس الحج عند اليهود ، د . حسن ظاظا ، الفيصل ، العدد 210 : 7 .
(4) نابلس : مدينة بالمملكة الأردنية الهاشمية ، على الضفة الغربية لنهر الأردن ، وعلى بُعد 6 كم شمال بيت المقدس ، يعيش بها عدد قليل من السامريين القدامى ، الذين مازالوا يحافظون على طقوس عبادتهم وعلى تقاليدهم القديمة . ذكرتها التوراة باسم شكيم بمعنى منكب ، انظر الموسوعة العربية الميسرة : 1811 .
--[169]--
من اليهود وهي فرقة (السامرية) وهي الفرقة اليهودية التي لا تؤمن إلاّ بالأسفار الخمسة ، التي تمثل القسم الأول من (العهد القديم) ، وكذلك لا تؤمن بالبعث واليوم الآخر . . . وقد ذكرها ابن حزم في كتابه (الفصل في الملل والأهواء والنحل) قائلا :
آ«أنّهم يبطلون كلّ نبوة كانت في بني إسرائيل بعد موسى ويوسع (عليهما السلام) ، فيكذبون شمعون وداود وسليمان وأشعيا واليسع وإلياس وعاموص وحبقوق وزكريا وأرميا وغيرهم ، وأنّهم يقولون : إنّ مدينة القدس هي نابلس ، وهي من بيت المقدس على ثمانية عشر ميلا ، ولا يعرفون حرمة بيت المقدس ولا يعظمونه . وهم بالشام لا يستحلون الخروج عنهاآ» (1) .
وكان معبد آ«بيت إيلآ» الذي أقامه يعقوب في أرض كنعان بالقرب من نابلس ، المكان الأول الذي يحج اليه بنو اسرائيل حتى أن شيّد سليمان الهيكل في القدس ، ولم يفقد منزلته هذه إلاّ بعد انشطار مملكة سليمان نصفين بعد وفاته :
1 ـ السامرة شمالا وكانت مملكة معادية لأسرة داود وسليمان في الجنوب ، وتسمي نفسها إسرائيل! واستمرت في الحج إلى بيت إيل .
2 ـ يهوذا المنحدرة من داود وسليمان ، فكانت تحج إلى آ«الهيكلآ» في أورشليم ، وهو الاسم الذي اشتهرت به منذ سليمان (2) .
وفي هذا المعبر قبر يوسف (عليه السلام) ، وعين يعقوب (عليه السلام) بالقرب منها (3) .
أما القبلة التي تتوجه إليها فرقة السامرة فهي نحو جبل يقال له آ«غريز يمآ» بين بيت المقدس ونابلس . قالوا : إنّ الله تعالى أمر داود أن يبني بيت المقدس بجبل نابلس ، وهو الطور الذي كلّم عليه موسى (عليه السلام) ، فتحول داود إلى (إيلياء) وبنى البيت ثمة ، وخالف الأمر ، فظلم ، والسامرة توجهوا إلى تلك القبلة دون سائر اليهود (4) . الذين قبلتهم بيت المقدس .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ(1) الفصل في الملل والأهواء والنحل ، ابن حزم 1 : 82 .
(2) انظر طقوس الحج عند اليهود ، د . حسن ظاظا ، الفيصل ، العدد 210 : 7 .
(3) الموسوعة العربية الميسرة : 1811 .
(4) الملل والنحل ، الشهرستاني ، ت 548هـ : 200 ، الطبعة الإيرانية .
--[170]--
وكلمة آ«إيلآ» تعني آ«اللهآ» فيكون معنى المعبد آ«بيت اللهآ» ويجاور هذا المعبد ، جبل ونخلة ، الجبل اتخذوه كعرفات في مكة ، والمعبد كالكعبة ، والنخلة كـ (العُزى) : وهي في وادي بطن نخلة ، قطعها خالد بن الوليد بأمر النبي محمد (صلى الله عليه وآله) التي كان يُحجُ إليها في الجاهلية ويُعلق عليها النذور والهدايا . . . فمقام تلك النخلة كهذه .
ولفرقة السامرة طقوس خاصة كالطواف والأضاحي وغيرها من صعود الجبل والوقوف عليهِ ، وتقديم النذورات والهدايا والقرابين للشجرة المقدسة; لتقضي لهم حوائجهم . . . وقد جاء في سفر القضاء : آ«وكانت دبورة النبيّة ، زوجة لفيدوت متولية قضاء بني إسرائيل في ذلك الزمان ـ أي بعد موسى بقرنين ـ وكانت دبورة تجلس تحت (نخلة دبورة) بين الرامة وبيت إيل (في إقليم نابلس) في جبل أفرايم ، وكان بنو إسرائيل يصعدون إليها لتقضي لهمآ» (1) .
ومن الجدير ذكره أنّ دعاء السمات للشيعة الإمامية ، ذكر قدسية هذا المكان ، ويبدو أنّ السبب هو تجلي مجد الله تعالى للنبي يعقوب (عليه السلام) جاء في الدعاء : آ«اللهم وباسمك العظيم الأعظم الأعز الأجل الأكرم ، وبمجدك الذي تجليت به لموسى كليمك (عليه السلام) ولـ . . . ولـ . . . وليعقوب نبيك (عليه السلام) في بيت إيلآ» (2) .
أماكن مقدسة من الطبيعة
وحجَّ قسمٌ آخر من اليهود إلى أماكن طبيعية كالجبال الشاهقة ، وبعض التلال والأشجار والآبار وعيون الماء ، اعتماداً على النصوص التوراتية ، واقتداءً بسُنة الأجداد ، الذين قدسوها واعتبروها آيات عظيمة تقربهم إلى الرب .
وهذا النص التوراتي يبين قدسية الأماكن الطبيعية من الأرض : آ«هذه هي الفرائض والأحكام التي تحفظون لتعلموها في الأرض التي أعطاك الربُّ إله آبائِك; لتمتلكها كلّ الأيام التي تحيون على الأرض . تخربون جميع الأماكن حيث عبدت الأُمم ، التي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ(1) سفر القضاء ، الإصحاح 4 ، الفقرات 4 ـ 5 .
(2) مفاتيح الجنان ، الحاج الشيخ عباس القمي ، دعاء السمات .
--[171]--
ترثونها آلهتها على الجبال الشامخة ، وعلى التلال ، وتحت كلّ شجرة خضراء . وتهدمون مذابحهم ، وتكسرون أنصابهم ، وتحرقون سواريهم بالنار ، وتقطعون تماثيل آلهتهم ، وتمحون اسمهم من ذلك المكان . . . لا تفعلوا هكذا للرب إلهكم . بل المكان الذي يختاره الرب إلهكم من جميع أسباطكم ليضع اسمه فيه سُكناه تطلبون والى هناك تأتون . وتقدمون إلى هناك محرقاتكم وذبائحكم وعشوركم ورفائع أيديكم ونذوركم ونوافلكم وأبكار بقركم وغنمكمآ» (1) .
وهذا النص التوراتي له وقع كبير في نفوس بعض اليهود ، حيث يذهبون سنوياً إلى تلك الأماكن المخصصة من الطبيعة ، التي احتلها الأجداد وقضوا على سكانها ، وأحرقوهم ، وقتلوهم ، يذهبون إليها حجاجاً معيدين مع ذبائحهم وضحاياهم ونذورهم وهداياهم ، وهذا ما يوجبه عليهم المقطع الأخير من النص ، اضافة إلى أمرهم بالصلاة الخاصة هناك ، وتقديم البكر من البقر والغنم إما ضحية أو هدية ، وقبل هذا كلّه يوصيهم النص أن يقدموا محرقاتهم اي (ينيروا المكان) ليستضيئوا ولا تمسهم الظلمة .
وهذا الحج في الحقيقة عادة وثنية اقتبسها اليهود ، الذين عاشوا في قرون سبقت عهد موسى (عليه السلام) ، فانتقلت الى ابناءئهم فادخلوا عليها عبر القرون والأيام ما يسدّ حاجتهم العنصرية والنفسية ، فجعلوها ضمن معتقدهم الديني .
ويقول د . حسن ظاظا : آ«كان اليهود ـ أو بنو إسرائيل ـ يجعلون من الأشجار والجبال والتلال وعيون الماء والآبار مزارات يحجون إليها ويتبركون بها ، ويبنون عندها معابدهمآ» (2) .
جاء في الحديث عن إبراهيم (عليه السلام)في التوراة : آ«وتجلّى له الرب في سندبانة (قَمْرا) وهو جالس بباب الخيمة ، عند ارتفاع النهار . فرفع بصره وألقاه فرآى ثلاثة رجال
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ(1) سفر التثنية ، الاصحاح 12 ، الفقرات 1 ـ 7 .
(2) طقوس الحج عند اليهود : 7 .
--[172]--
واقفين أمامه ، فلما رآهم هَمَّ لاستقبالهم أمام باب الخيمة ، وسجد الى الأرض قائلا : مولاي ! إن كانت لي حظوة في عينيك ، فلا تضرب صفحاً عن عبدك ، سأقدّم لكم بعض الماء فتغسلون أرجلكم ، وتتكئون تحت الشجرة ، وأقدّم كسرة خبز ، لتسندوا بها قلوبكم ، ثم تنصرفوا ، بعد ذلك ، فإنكم لذلك مررتم بعبدكم . قالوا : اصنع كما قلت! فاسرع إبراهيم الى الخيمة ، الى سارة ، وقال : هاتي ثلاثة أصواع من دقيق سمين ، فاعجنيها واصنعيها خبز مَلَّة . وبادر إبراهيم إلى البقر فأخذ عجلا حنيذاً طيباً ، ودفعه إلى الغلام ، فأسرع في إعداده . ثم أخذ زبداً ولبناً ، والعجل الذي كان قد هيّأه ، ووضع ذلك بين أيديهم ، وهو واقف أمامهم تحت الشجرة ، فأكلوا . ثم قالوا : أين سارة ، امرأتك؟ قال : هي في الخباء ، قال : سأرجع إليك مثل الآن في العام القادم ، ويكون لسارة امرأتك ابن . وكانت سارة تستمع عند باب الخباء ، وهو وراءه . وكان إبراهيم وسارة شيخين طاعنين في السن ، يستحيل أن يكون لهما ما للنساء . فضحكت سارة في نفسها قائلة : أبعد شيخوختي يكون لي تَنعُّم (1)؟ وبعلي شيخ كبير! فقال الرب لإبراهيم : ما بال سارة قد ضحكت قائلة : أألدُ وأنا عجوز؟ أهذا على الرب أمر عسير؟ في مثل هذا الوقت من قابل ، أعود اليك ويكون لسارة ابنآ» (2) .
ولأن التجلي الإلهي والبشرى بإسحاق كانتا عند هذه الشجرة (السنديانة) ، فقد قدسها بنو إسرائيل وكانوا يحجون إليها ، ويتبركون بها ، ويطلبون منها حوائجهم .
آ«أما العيون والآبار فمن أشهرها آ«قادشآ» الذي يدل اسمها المؤابي على تقديسها ، واحتفظت في اسمها بالعربية (عين قديس) ويتصدر الآبار (بئر سبع) جنوب شرقي غزّة . وكان الساميون القدماء من بني إسرائيل وغيرهم يعتقدون أنّ هذه البئر (مسكونة) أي تقيم فيها كائنات غير
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ(1) التنعّم : يعني بنين أو بمعنى الذريّة .
(2) سفر التكوين ، الاصحاح 18 ، الفقرات 1 ـ 14 .
--[173]--
منظورة من الملائكة والجن ، وأنّ عددهم سبعة ، تسهر على عقاب الحانث في يمينه ، المتعمد للكذب ، فكان عليه أن يذهب مع خصمه إلى تلك البئر ، ويدعو على نفسه باللعنات السبع ، كأن يموت بلا عقب ، وأن يفقد كلّ عزيز عليه ، وأن يصاب في ماله ، وصحته ، وشرفه ، وأن يضرب في الأرض شريداً ، وأن يفقد السمع والبصر والعقل . . . الخآ» (1) .
تلخيص واستنتاج
وصفوة القول أنّ الديانة اليهودية عرفت الحج كممارسة عبادية ، مادية ومعنوية ، كما عرفتها الديانة الإسلامية والديانات الأخرى التوحيدية وغير التوحيدية ، لكن الفرق يكمن في ماهية هذه العبادة والأعمال والشعائر والمكان والزمان ، والأهم من هذا كله ، اتباع ما اعتقدوا هم به ، وليس بما جاءهم به نبيهم من شريعة السماء ، بالتوجه الصحيح إلى المكان المطلوب ، والزمان المعين ، والمناسك المفروضة و . . . الخ .
والحج فُرض على الناس منذ زمن الخليل إبراهيم (عليه السلام) حين أذن في الناس : }وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كلّ ضامر يأتين من كلِّ فجّ عميق { (2) .
وهذا الفرض السماوي عيّن المكان وعيّن الزمان واشترط الإستطاعة لأدائه ، فقال تعالى : }ولله على الناس حج البيت من استطاع إليهِ سبيلا { (3) أي حقّ على الناس كافة أن يحجوا إليه ـ إلى البيت الحرام ـ حيث هي الدعوة عامة وليست خاصة لفئة معينة من الناس دون أخرى ، ولم يخصص المسلمين دون غيرهم أو المؤمنين دون غيرهم ، الله تعالى لا يفرق بين عباده ، فلم يقل ولله على المسلمين أو على المؤمنين أو على الفرقة الفلانية أو الفئة الفلانية ، أو تلك القبيلة أو العنصر المعين أو اللون المفضل ، بل جاء الخطاب عاماً }للنّاس { .
وقوله تعالى : }إنّ أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ(1) طقوس الحج عند اليهود : 7 .
(2) الحج : 27 .
(3) آل عمران : 97 .
--[174]--
وهدًى للعالمين { (1) . ومن غير الممكن ان يجعل الله تعالى لفئة من عباده بيتاً فيه البركة والهدى والرحمة وغفران الذنوب و . . . و . . . ويحرم آخرين منه .
وقد روي عن الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) حين سُئل عن هذه الآية }ولله على الناس حج البيت . . . ومن كفر فان الله غني عن العالمين { قال : آ«من قال ليس هذا هكذا فقد كفرآ» (2) .
إذن فالحج لغير بيت الله الحرام لا يُقبل من أي إنسان اياً كان ، فهو بِدعة لا يقبلها الله تعالى ولا تأخذ معنى الحج الحقيقي .
هناك نصوص قرآنية تدين الخلط بين الحق والباطل ، وتدين التباس الأمر على الناس نتيجة الإنحراف ، وترجعها إلى انعدام الرؤية الواضحة والصحيحة والاضطراب عند بعض من الناس ، من أضلهم وأغواهم الشيطان للانحراف عن الطريق المستقيم وعن جادة الصواب ، الى طريق الهوى وطريق الغواية . . . قال تعالى :
}لِمَ تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون { (3) .
فاليهود يعلمون أن الله تعالى شرع حجّاً . . . ويعلمون قدسية بيت الله الحرام ، ويعرفون أن جدهم إبراهيم الخليل (عليه السلام) بنى بيتاً لعبادة الله تعالى ، مع هذا انكروا الحق وألبسوه بالباطل وتوجهوا إلى أماكن ارتاحت لها أنفسهم وثبتت فيها عنصريتهم . ونسج الانحراف خيوطه فتاهت الحقيقة عليهم جيلا بعد جيل ، وضاعت معه مقدساتهم الحقيقية ومعتقداتهم الواقعية ، ولعب الهوى أيضاً دوره ، والإنسان ابن الهوى إذا لم يقيده قيد ويرشده مرشد (4) . . . وهذه المسألة في غاية الدقة والأهمية .
الحجّ في الديانة المسيحية :
مضى النصارى على شاكلة نظائرهم اليهود في اتخاذ وجهات متعددة ، ومراسم وسلوكيات خاصة ، خطّتها لهم خيالاتهم وأهواؤهم ،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ(1) آل عمران : 96 .
(2) وسائل الشيعة 11 : 16 ، ح4128 .
(3) آل عمران : 71 .
(4) نقصد بالقيد والمرشد : العقل والإيمان الحقيقي ، والارتباط بالله تعالى .
--[175]--
وزيّن لهم الشيطان سوء أعمالهم وتصرفاتهم ، حتى أحسّوا أنّهم على حقّ وغيرهم على باطل .
عرفوا الحج أنّه طواف ودوار حول مقدسات العقيدة ، فطافوا بمقدساتهم ، وقدموا الأضاحي والنذورات والهدايا . . . بكوا وتضرعوا وطلبوا الغفران ، وبعضهم ترك ملذات الدنيا المحللة والشهوات المباحة ، واتجهوا للرهبانية عن الحياة ليتخذوا من (العذراء مريم) اسوة ، ومن إلههم الثاني عيسى المسيح ربّاً ـ كما يزعمون ـ يغفر ذنوبهم ويكفر عنهم سيئاتهم ويدخلهم نعيم الجنة!!
وانقسم المسيحيون إلى عدّة فرق وكلّ فرقة اتخذت وجهة خاصة في الحج ومراسم وطقوس حجّ خاصة .
وقد خصّص لهم كتابهم (الإنجيل المحرف) أعياداً دينية ، كـ (عيد الفصح) و(عيد القيامة) ، و(عيد الميلاد) و(عيد الفطاس) ، وغالباً ما يصاحب أعيادهم حج وطقوس خاصة به .
يقول أحد الكتاب المسيحيين (فنسنك wensinck) في معنى الحج عندهم : آ«وقد فسّر لغويو العرب الحج بأنه آ«القصدآ» ويتفق هذا ومعنى الحج عندنا (أي عند النصارى) على أنه من الواضح أنّ هذا المعنى اصطلاحي ، كالفعل العبري ، ولعل المادة ومعناها في اللغات السامية الشمالية والجنوبية آ«يطوفآ» أو آ«يدورآ» . . .آ» (1) .
ولم نقرأ في إنجيلهم المحرف ذكراً للحج عندهم ، بل هناك أعياد دينية ، يفرحون بها ويذكرون الله (الأب) وابنه (يسوع المسيح) الذي جمع في تكوينه بين الروح الإلهية والتكوين الإنساني فهو ـ حسب تعبيرهم ـ مركب من إله وإنسان .
وعلى هذا فالمسيحية ذات إلهينْ وليس إلهاً واحداً ، وإنَّ ديناً له أكثر من إله واحد ليس ديناً توحيدياً بل ثنائياً أو ثلاثياً يُسيِّره الإله الأب والإله الابن وروح القدس .
فالمكان الذي وُلد فيه الإله الابن محجة أولى لهم ، ومكان الصلب والرفع
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ(1) دائرة المعارف الإسلامية ، مجموعة من المستشرقين 7 : 304 .
--[176]--
محجة ثانية ، وكل مكان صلى فيه عيسى المسيح أو ظهر هو أو أمّه مريم العذراء ، فهو مكان مقدس ومحجة لهم ، وهذا الظهور والتجلي في أي زمان أو مكان أو لأي شخص منهم فهو مقدس ومحل زيارة ومحجة سنوية في أحد الأعياد الدينية التي رسمها لهم كتبة الإنجيل .
الإنسان المتدين بدين المسيحية كأي إنسان آخر فهو ابن عقيدته ، ونظرة أي إنسان إلى الحياة والكون ومفاهيمه في شتى المجالات ، بل وحتى عواطفه وأحاسيسه كلّها تدور حول محور العقيدة التي يتبناها ، والتي تسهم في بنائه الفكري والأخلاقي والاجتماعي والعبادي .
فإذا حكّم الإنسان عقله تجلى له الطريق الصحيح ، وإذا قلّد أو غفل أو تعصب انحرف . فكتبة الإنجيل من أمثال هؤلاء الذين قلّدوا وغفلوا وتعصبوا فامتزج عندهم الحق بالباطل . وأول من أدخل البِدع وحرّفَ في الديانة المسيحية ، شاب يهودي اسمه شاؤول يذكر قصته الكتاب المقدس في الاصحاح السابع من العهد الجديد ، ادّعى أنّه حصلت له رؤيا ظهر فيها عيسى المسيح ودعاه الى التبشير . وفجأةً غيّر هذا الشاب اسمه إلى (بولص) وأدخل في المسيحية ما ليس فيها; ليكسب بدعوته الوثنيين والجهال من اليهود ومن غيرهم . ففي كتاب : آ«المئة : تقييم الأشخاص الأكثر أهمية في التاريخآ» فإنّ مؤلفه مايكل هارت يقول : آ«ليس هناك شخص لعب دوراً في الضخامة كالدور الذي لعبه بولص في إشاعة المسيحيةآ» (1) .
وجهة النبيّ عيسى (عليه السلام) في الحج
وعيسى روح الله (عليه السلام) لبّى نداء نبي الله وخليل الرحمن إبراهيم (عليه السلام) ، حين أمره الله تعالى أن يؤذن في الناس بالحج ، وعَلِم (وهو من الأنبياء الكبار : أي من أولي العزم) من الله تعالى أن هذا النداء عام ولم يختص بشريحة معينة من شرائح المجتمع ، بل هو يشمل جميع الأديان السماوية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ(1) عن كتاب : نظرة عن قرب في المسيحية ، بربارة براون : 22 .
--[177]--
وجميع الأنبياء والرسل ، وهو تكليف عام ، واجب على المكلفين ومستحب لغير المكلفين ، وسنبين شروط التكليف في الفصول اللاحقة إن شاء الله تعالى .
وقد أكدت الروايات الشريفة عن الرسول (صلى الله عليه وآله) وعن أئمة الهدى (عليهم السلام) ، حج ابن مريم عيسى روح الله (عليه السلام) ، إلى الكعبة الشريفة ، فقد جاء عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنّه قال : آ«والذي نفس محمد بيده ليُهلَّن ابن مريم بفجّ الروحاء حاجاً أو معتمراً أو ليثنّيهماآ» (1) .
وعن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) ، قال : آ«ومرّ عيسى بن مريم (عليه السلام) بصفائح الروحاء وهو يقول : لبيك عبدك وابن أمتكآ» (2) .
وفي تحديد الوقت الذي كان الأنبياء يحجون فيه إلى البيت العتيق ، ومن ضمنهم عيسى (عليه السلام) ، قال الإمام الرضا (عليه السلام) :
آ« . . . وقتها عشرة ذي الحجة . . . النبيون آدم ونوح وإبراهيم وعيسى وموسى ومحمد (صلوات الله عليهم) وغيرهم من الأنبياء ، إنما حجّوا في هذا الوقت ، فجعلت سُنة في أولادهم إلى يوم القيامةآ» (3) .
والنبيّ عيسى (عليه السلام) أحد أولي العزم الخمسة ، ومن غير الممكن أن تكون وجهته في الحج مخالفة عن وجهة بقية الأنبياء والرسل ، كأن يتخذ من بيت المقدس أو مكاناً آخر محجة خاصة له ولقومه واتباعه .
انحراف النصارى في الحج
والنصارى أو المسيحيون حالهم حال اليهود في التحريف والانحراف عن سُنة الله والأنبياء ، وعدم التزامهم بتعاليم نبيهم المرسل إليهم الذي ينسبون أنفسهم إليه ، وما انزل عليه من شرائع السماء ، وضربهم على تعاليم الشريعة بحُجب التحريف والكتمان ، والترك الصريح لها ، وقد ذكرهم القرآن الكريم ، مستنكراً أعمالهم وعبادتهم في آيات بينات كثيرة منها قوله تعالى :
}قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ(1) مسند أحمد 2 : 240 و272 بتفاوت يسير و 290 في حديث قال فيه : آ«وينزل الروحاء فيحج منها أو يعتمر أو يجمعهماآ» .
(2) بحار الأنوار ، المجلسي 99 : 185 ، الطبعة البيروتية .
(3) المصدر نفسه .
--[178]--
وما أُنزل إليكم من ربّكم وليزيدنَّ كثيراً منهم وما أُنزل إليك من ربّك طغياناً وكفراً فلا تأس على القوم الكافرين { (1) .
فالآية الكريمة صريحة البيان واضحة المعنى أن أعمالهم ليست مقبولة ، وهي لا شيء حتى يعملوا بما أمرهم الله من خلال الكتب السماوية المنزلة على أنبيائه .
عيسى (عليه السلام) كغيره من الأنبياء جاء بشيراً ونذيراً وهو بشر نبياً ، لكن المسيحيين انقسموا فريقين من بعده : فريقاً كفروا وعادوا إلى وثنيتهم . والفريق الآخر جعل من شخصية عيسى (عليه السلام) مرتكزاً للدين وأخذ الدين اسمه من عيسى المسيح ، وأخذت كل المعتقدات المسيحية تتمحور حول عيسى; المسيح . الأعياد المسيحية الرئيسية تتعلق بأحداث في حياة عيسى المسيح . ورمز العقيدة المسيحية ، وهو الصليب ، يشير إلى عيسى المسيح . وصلوات المسيحيين موجهة إلى عيسى لأنهم يعتبرون أن الله نفسه لا يمكن أن يخاطبه إنسان عادي . وحسب ما يقوله المؤلف المسيحي فرتز رايدنور : آ«إن مفتاح العقيدة المسيحية هو أن عيسى المسيح كان في الواقع السبب في وجودها كلّها ، وأنه هو الذي يحافظ على تماسكها بأجمعهآ» (2) .
فهذه الملّة من البشر جعلوا من أماكن ذكريات نبيهم ، وما تجلى لهم من شخصه وشخصية أمّه عبر تاريخه الى يومنا هذا ، جعلوها أماكن حج دينية في أعيادهم السنوية . . . نذكر من هذه الأماكن المقدسة ما يلي :
1 ـ اتجه بعض المسيحيين إلى بيت المقدس في فلسطين حيث الصليب الأصيل للسيد المسيح عيسى ابن مريم (عليه السلام) اقتداءً بسنة الملكة هيلانة .
2 ـ واتجه قسمٌ آخر إلى كنيسة رومة في ايطاليا ( rom) Rome .
3 ـ ومنهم من حجَّ إلى لورد في فرنسا للمكان الذي ظهرت فيه السيدة العذراء لهم .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ(1) المائدة : 68 .
(2) كيف تكون مسيحياً في عالم غير مسيحي : 176 ، نقلا عن نظرة عن قرب في المسيحية ، بربارة براون : 14 .
--[179]--
4 ـ وتوجه منهم إلى كنيسة (فاطيما) ( Fatima) لتجلي السيدة النورانية صاحبة المسبحة فاطيما .
5 ـ وآخرون توجهوا إلى أماكن متفرقة كقبور الأسلاف من موتاهم ، أو إلى الجبال وغيرها من الطبيعة .
وسنحاول قراءة كلّ واحدة من هذه النقاط قدر استطاعتنا ، وإلقاء الضوء على الموقع الجغرافي ونبذة عن تاريخها إن شاء الله تعالى .
الحج إلى بيت المقدس
التوجه في الحج إلى بيت المقدس ، لم يرد فيه نص لا في التوراة ولا في الإنجيل ، بل سُنة اتبعت نتيجة اسباب معينة ، فعند النصارى كان السبب الرئيسي هو اتباع سُنة الملكة ، (هيلانه ( ste) ( Helene) أمّ الامبراطور قسطنطين ، التي اكتشفت العود الأصلي ، الذي صُلبَ عليه عيسى المسيح ، فجُعلَ ذلك اليوم مباركاً وعيداً يحج فيه إلى بيت المقدس الذي يحتضن العود المقدس . . .
آ«وهيلانة التي اهتدت إلى الدين المسيحي ، وقامت عام (326م) بجولة تفقدية في الشرق ، زارت خلالها الأماكن المقدسة في فلسطين ، وقامت ببناء كنائس في أورشليم وبيت لحم . يُروى أنّها عثرت على عود الصليب الحقيقيآ» (1) .
ويُروى أنّها آ«كرست اهتمامها لكشف مواضع الحوادث المهمة للمسيحيين ، ولبناء كنائس تذكاراً لهاآ» (2) .
فالمسيحيون يكرّمون آ«كنيسة القبر المقدس ، التي تقوم على المكان التقليدي لجبل (الجلجثة) ، الذي يعتقد المسيحيون أن المسيح صلب عليه . يحيط بالمدينة القديمة سور شيده السلطان سليمان القانوني عام (1541) ، وفي شرق المدينة القديمة يقع وادي قدرون وبه بستان جشـمانيآ» (3) وآ«حينما منع الأتراك السلاجقة ، المسيحيين من زيارة بيت المقدس ، وهدّموا كنيسة القبر المقدس (الآن كنيسة القيامة) قامت الحروب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ(1) معجم الحضارات السامية ، هنري س . عبّودي : 896 ، طرابلس ـ لبنان .
(2) العرب واليهود في التاريخ ، د . أحمد سوسة : 390 ، العربي للإعلان والنشر .
(3) الموسوعة العربية الميسرة .
--[180]--
الصليبية ، فسقطت في أيدي الصليبيين عام (1099) . . .آ» (1) .
والزيارة أو الحج إلى كنيسة القيامة (كنيسة القبر المقدس) ، عادةً تكون في عيد الفصح السنوي وهو : آ«العيد الرئيسي عند المسيحيين ، وهو ذكرى قيامة المسيح بين الأموات في العقيدة المسيحية ، ويقع بين (22) مارس و(25) أبريل ويرتبط به عدد كبير من الأعياد الأخرى ، ويُسبق بالصيام الكبير الذي يدوم أربعين يوماً ، ويجمعه آ«آلام المسيحآ» . . .آ» (2) .
وعيد الفصح : عيد ديني تُمارس فيه أوامر ونواه خاصة كالصوم والصلاة والدعاء والنذور والأضاحي وغيرها ، ويختلف بكثير عن عيد الميلاد المسيحي المشهور ، الذي تحوّل الى عيد قومي يُلزم به المتدين وغير المتدين من المسيحيين ، وهو ذكرى مولد السيد المسيح ، يلي صيام أربعين يوماً (هذا بالنسبة للملتزمين ، أما غير الملتزمين فلا يعنيهم هذا الصيام) ، وهو يوم 25 ديسمبر بالتقويم الغربي ، ويوم 29 كهيك بالتقويم القبطي ، احتُفِل به قبل (200) ، ثم انتشر وأصبح شائعاً وشعبياً في القرون الوسطى ، التصقت به عادات وتقاليد قومية ، مثل غناء الترانيم ، وتبادل الهدايا وإرسال التهاني ، وغير ذلك ، أما إقامة (شجرة عيد الميلاد) فهي عادة ألمانية الأصل (3) .
وهنا لا يهمنا هذا العيد ، ولكن الشيء بالشيء يذكر ، لأنهم يستحب لهم في عيد الميلاد زيارة (كنيسة القيامة المقدسة) إن استطاعوا ، وإلاّ فأي كنيسة أخرى .
أما الحج إلى (كنيسة القيامة) في بيت المقدس الشريف المُسن من قبل الملكة هيلانه ، فهو ذكرى العثور على عود الصليب الأصلي كما ذكرنا سابقاً ، يحيون ذكراه ، حتى أصبحت عادة وسُنة جيلا بعد جيل ، وكأنهم يحجون إليه لفريضة أو أمر إلهي شرعه له عيسى المسيح (عليه السلام) فتركز في نفوسهم ، أما حقيقة هذا الحج فهو التراث الذي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ(1) المصدر نفسه .
(2) الموسوعة العربية الميسرة : 1247 .
(3) انظر المصدر السابق .
--[181]--
خلّفته (هيلانه) ، فهو تراث وحج مزيف وليس حجاً إلهياً حقيقياً .
كنيسة القيامة في القدس الشريف
رومة في ايطالياRome [rom]
تعدُّ روما من المدن المهمة والمقدسة للمسيحيين ، وهي مركز ثقافي وفني وديني منذ عهد طويل ويطلق عليها : (المدينة الخالدة) وكذلك (المدينة المقدسة) وهي وسط ايطاليا قرب الساحل الغربي على ضفتي نهر آ«التيبرآ» ، عاصمة ايطاليا ،
--[182]--
وفيها الفاتيكان مقر البابوية ، وكان للإصلاح الكاثوليكي بعد عام (1527)م أثر في استفادة البلاط البابوي ـ بعد أن خرب جنود شارل روما عام 1527م ـ وكذلك استعاد مكانته وسلطته الروحية . استمرت روما في الازدهار والإفادة من وفود جموع الحجاج عليها (1) .
وروما من كُبرى مُدن ايطاليا ، ويرقى تاريخها إلى القرن الثامن قبل الميلاد . كانت فيما ما مضى عاصمة الجمهورية الرومانية ، ثم عاصمة الامبراطورية الرومانية ، ثم عاصمة المقاطعات البابوية . . . وهي اليوم عاصمة الجمهورية الإيطالية ، والعاصمة الإدارية والروحية للكنيسة الرومانية الكاثوليكية بوصفها مقرَّ الكرسي الرسولي (في الفاتكان) (2) .
جاء في تاريخ الحضارات العام : آ«فإننا نشاهد عناصر عديدة من المسيحيين تقوم في العاصمة روما ، ملتقى جميع الملل والطوائف ، ومحجّة الشعوب على اختلافهاآ» (3) .
وروما المدينة الجميلة ذات الطبيعة الخلابة والآثار الجذابة ومقر الكنيسة الكاثوليكية ومقر الكرسي الرسولي ، التي تستهوي القلوب المسيحية التي تعلقت بشخص عيسى المسيح (عليه السلام) ، اعتُبرت كنيستها والآثار المحيطة بها ، محجّة سنوية ومركزاً تجارياً وترفيهياً .
والحج لهذه المدينة الأثرية ـ في اعتقادنا ـ ما هو إلاّ نزهة سنوية ترفيهية اكثر مما هي معنوية الهية أو روحية .
إنّ هذا النوع من النزهة السنوية ممكن في كل مكان وزمان ، ولم يتوفر على أيّ من شروط الحج ، ونحن نعتقد وتبعاً لما نعرف من الأوضاع الاجتماعية المتردية في الغرب ، لابد وأن يصاحب هذه السفرة السياحية قضايا وامور انحرافية لا أخلاقية مما لا يرضى الله بها ولا السيد المسيح نفسه ، فكيف يطلقون على هذه النزهة آ«حجاًآ»؟!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ(1) انظر الموسوعة العربية الميسرة : 898 ـ 900 .
(2) انظر موسوعة المورد ، منير البعلبكي 8 : 163 .
(3) تاريخ الحضارات العام ، اشراف موريس كروزيه 2 : 426 .
--[183]--
والظاهر أن زيارة المسيحيين لرومه تكون عادةً في عيد القيامة ، ويصاحبها استعمال البخور والماء المقدس في التطهير ، وإيقاد الشموع وتقديم النذور وبعض الأضاحي (1) .
كنيسة لورد في فرنسا Loord
ابتدع هذا الحج عام (1858م) أي بعد ميلاد السيد المسيح (عليه السلام) بأكثر من ثمانية عشر قرناً ، ويرجع سببه إلى ادّعاء إحدى راهبات الكنيسة في فرنسا أنها شاهدت مريم العذراء ، تجلت لها بجوار المغارة التي كانت بالقرب منها .
ولورد : بلدة في الجزء الجنوبي الغربي من فرنسا . كانت في القرون الوسطى ذات موقع استراتيجي هام . أصبحت منذ العام (1858م) محجّاً يقصده المرضى من الكاثوليك التماساً للشفاء بعد الذي أُذيع من أن العذراء تجلّت غير مرة ، في مغارة هناك لفتاة ريفية اسمها برنادت ( Bernadette) (2) .
وتدّعي الكتب المسيحية أن برنادت سوبيروس . . . المولودة عام (1844م) في لورد (فرنسا) ظهرت لها السيدة العذراء عام (1856م) أو (1858م) ، أي كانت بالغة من العمر (12 ـ 14) عاماً ، ودعتها إلى تأسيس معبد (لورد) الحالي ، وكانت وفاتها عن عمر يناهز (35) عاماً أي عام (1879م) (3) .
ومدينة لورد الواقعة بمقاطعة البرانس العليا جنوب غرب فرنسا يؤمها حوالى مليون زائر سنوياً ، التماساً للعلاج عن طريق المعجزات (4) .
ولا شك أن (مُودة) ظهور السيدة العذراء وتجليها للنصارى ، أصبحت معروفة : وهي إما خيالات لمغالين أو لأغراض سياسية أو اجتماعية أو تبشيرية أو لاُمور أخرى! عِلماً أنّ هذه المغارة أصبحت لهم (باب المراد) يطلبون حوائجهم منها وينذرون لها ما استطاعوا إليه سبيلا أو أكثر ، يحيون الليل بالبكاء والتضرع آملين من العذراء غفران الذنوب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ(1) انظر قصة الحضارة 11 : 314 ـ 320 .
(2) موسوعة المورد 6 : 148 .
(3) المنجد ، لويس معلوف : 127 ، دار الشرق ـ بيروت .
(4) انظر الموسوعة العربية الميسرة : 1574 .
--[184]--
وستر العيوب والشفاء من الأمراض .
وعجباً لسذاجة بعض المسيحيين ، أن يطلقوا على هذه الأماكن ، أماكن حج يُعبد فيها الرب الإله والرب اليسوع عيسى واُمّه ، تذكرها كتبهم بكلِّ جرأة ووقاحة . . . تجرهم طفلة أحبت العذراء مريم (عليها السلام)وتعلقت بها وتخيلتها مرّات ، هذا تعليقنا على هذه القضية إن صحت الأخبار في نقلها . . .
كنيسة (فاطيما) في البرتغال آ«Fatimaآ»
وقصة فاطيما تتمحور في قضية مقدسة حدثت في أورپا ، اهتم بها العالم المسيحي .لأنها من شؤونه الدينية الخاصة ، وقد ارتبطت هذه القصة باسم يمت إلى العالم الإسلامي بصلة .
وفاطيما : قرية في شبه جزيرة (فيبري) غرب اسپانيا في مدينة ليشبونة في البرتغال ، فتحها عبد الرحمن عام (710م) وبقيت تحت راية الإسلام حتى القرن الحادي عشر الميلادي ، استولت عليها أورپا وانجلى الإسلام عنها ، وأصبح أغلب سكانها من المسيحيين .
وفي عام (1917م) أصبحت فجأةً محجة للمسيحيين ومقصداً للزوّار ، والمتابع لأخبارها يعجب للدين المزيج من التعاليم المسيحية والتعاليم الإسلامية ، خصوصاً عند أهل القرية التي تحتضن كنيسة فاطيما . . .
وبدأت القضية هكذا : ثلاثة اطفال قرويين يفتحون عيونهم على حقيقة تجلت لهم في ضواحي القرية ، لتصبح فيما بعد مَعيناً متدفقاً لاعتقاد عميق في حياة أبناء هذا البلد . الأطفال هم : جاسنيتا ـ سبع سنوات ـ وفرانسيسكو ـ تسع سنوات ـ ولوسيا ـ عشر سنوات ـ الشاهد الأصلي لهذه الحادثة هي لوسيا . وتروي ألسنة الأطفال الثلاثة الحادث على النحو الآتي : في عام 1916 ، قبل عام واحد من رؤيتنا السيد التي تشع بالنور ، تراءت لنا
--[185]--
آ«ملاكاًآ» ورددت هذه العبارة :
لا تخافوا . . . أنا آ«ملاك السلامآ» . وقالت أيضاً آ«إلهي! أنا أعتقد بك وأؤمن بك وأحبك ، وإني أطلب الغفران لهؤلاء الذين لا يؤمنون ، ولا يعتقدون بك ، ولا يحبونكآ» .
بعد ذلك تراءت لهم ملاكاً مرتين في الصيف والخريف ، وفي كلّ مرّة كانت تقول لهم : آ«قدّموا الأضاحي ، واستغفروا للمذنبين وادعوا لهدايتهمآ» وقد لعبت المواقف الثلاثة دوراً في تهيئة الأطفال لرؤية السيدة صاحبة المسبحة ، وفي الثالث عشر من آيار (مايس) 1917م ، رأى الأطفال هالة النور مرتين ، ثم أطلّ نور عظيم من أعلى شجرة البلوط ، سيدة أشد ضياء من نور الشمس تسمى آ«فاطيماآ» راحت تكلمهم :
ـ لا تخافوا ، لا أريد أن اُخيفكم
ـ من أنت؟
ـ فاطمة بنت الرسول
ـ من أين جئت؟
ـ جئتُ من الجنة
ـ ماذا تريدين منّا؟
ـ جئت لأطلب منكم أن تواظبوا على المجيء إلى هنا ، وسأقول لكم فيما بعد ماذا أريد منكم . وأخذت تظهر كلّ شهر وفي لقائها السادس والأخير أظهرت معجزة كبرى أمام أنظار سبعين ألف شخص كانوا قد احتشدوا لرؤيتها . . . إذ شاهدت الحشود المنتظرة ، توقف هطول المطر فجأة ، واهتزت الشمس واستقرت ، ثم دارت مرّتين بنحو ظنَّ الناس بأنّها ستسقط في أي لحظة على رؤوسهم . ثم عادت الشمس إلى موضعها . وأول صحيفة نشرت هذا الخبر (صحيفة ليسبون) في الخامس عشر من تشرين الثاني من العام نفسه (1) .
وهناك مصدر آخر يقول : آ«ان فاطيما قرية وسط البُرتغال زُعم أنّ السيدة العذراء ظهرت لثلاثة من أطفالها (اطفال القرية) في 13 مايو عام 1917م . ومنذئذ أصبحت محجةً يقصد إليها المسيحيون من مختلف أرجاء الأرض . . .آ» (2) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ(1) آ«فاطيماآ» مهوى الأفئدة وملاذ المتضرعين ، الطاهرة ، العدد 70 : 11 ـ 12 .
والفلم التحقيقي الذي عرضه تلفزيون الجمهورية الإسلامية باللغة الفارسية .
(2) موسوعة المورد ، البعلبكي 4 : 108 .
--[186]--
وتعتبر ليلة الثالث عشر من مايو ـ يوم الحادث ـ من كلّ عام ليلة الدعاء المهمة في مزار فاطيما ، إذ ينبغي وفقاً لوصية السيدة صاحبة المسبحة ، قضاؤها بالدعاء والتسبيح والاستغفار ، وهو درس تعلّمهُ الناس هنا من السيدة فاطيما; ليصبح فيما بعد واحداً من معتقداتهم وتصوراتهم الدينية . والطريف أن هذه الحشود البشرية ، التي تقطع مئات الكيلومترات كلّ عام من شمال البلاد وجنوبها ، قاصدة هذه المدينة المقدسة ، لم يثنها عن مجيئها حرٌّ ولا برد ، ولا ليل ولا نهار ، بل وبعد انتهائها من الزيارة يتمتم كلّ واحد بهذه الكلمات :
آ«سيدتنا فاطيما! السيدة صاحبة المسبحة! السيدة هالة النور! أنا مضطر الآن للابتعاد عنكِ ، ولكن أطلب من الله أن لا يجعل هذا اللقاء آخر لقائي بك ، وأن يكون هذا الالتماس وهذا الشوق حيّاً في وجودي دائماً يا فاطمة! في أمان الله يا سيدتنا الطاهرةآ» (1) .
وتعليقنا على هذه الواقعة التي جاءتنا من بعيد ، من البرتغال أو بالأحرى من قرية نائية من البرتغال ، من بيئة مسيحية ، واقعة شاهد آثارها عدد كبير ، وزارها الباب نفسه (2) . . . وفي نفس الوقت تتعلق القضية بشأن إسلامي مهم هو ظهور السيدة فاطمة بنت الرسول (صلى الله عليه وآله) ذات المسبحة (3) .
ونحن نحترم السيدة مريم العذراء (عليها السلام) ، وفي الوقت نفسه نقدس السيدة فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين ، فهل يا ترى أنّ الذي ورد صحيح مئة بالمئة؟ ذلك ما لا أستطيع أن أنفيه على الأقل . . .
ولكن أتساءل . . . لَمْ نقرأ أن مجموعة من المسيحيين ومنهم صاحبة القضية الأصلية الراهبة (لوسيا) أنهم أسلموا مع أن القضية تستحق الإسلام ، هذا اذا كان التجلي لشخص فاطمة الزهراء (عليها السلام) ، وإذا كان التجلي لشخص مريم العذراء (عليها السلام) فلَم نقرأ أن لمريم (عليها السلام) اسماً يشابه اسم فاطمة; لكي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ(1) آ«فاطيماآ» مهوى الافئدة وملاذ المتضرعين : 13 .
(2) في عام 1967م . في الذكرى الخمسين لإقامة المزار ، زارها البابا بولس السادس تجليلا للبقعة المقدسة وتكريماً لها . كما زارها الباب بولس الثاني عام 1982م .
(3) الطريف أن حجاج تلك الكنيسة يحملون بأيديهم مسبحة ويسبحون كتسبيح الشيعة الإمامية أي : يذكرون الله (34) مرة (الله اكبر) ، ويحمدون الله (33) مرة (الحمد لله) ، ويسبحون الله (33) مرة (سبحان الله) ، كلٌ بلغته الخاصة .
--[187]--
تُسمى المنطقة باسمها .
ثم إنّ اهتزاز الشمس ودورانها مرتين ورجوعها إلى حالها منذ زمن قريب جدّاً (سنة 1917م) . . . ليس أمراً عادياً ، إنه أمر كوني تنقلب له الدنيا وتهتز له عقول العلماء الفلكيين ، ولكن لم نسمع ولم نقرأ عن هذا الحدث الكوني شيئاً ، في حين أن تسجيلات خسوفات وكسوفات عادية جاءت من آلاف السنين .
إنّ القضية أو القصة يجب أن تُقرأ بشكل مفصل نظرياً وميدانياً ، والله أعلم ما وراء ذلك . . .
وقد سمعنا من أحد الناقلين القادمين من البرتغال أن التي تجلت لهم (1) كانت (فاطمة) بنت أحد الخلفاء المسلمين وليست بنت الرسول (صلى الله عليه وآله) ، فإن كانت هذه أو تلك فالقضية تحتاج إلى دارسة أكثر كما ذكرنا أعلاه . . .
حجهم إلى مقدسات أخرى
إضافة إلى ما ذكرنا من مقدسات النصارى ، هناك أماكن أخرى قدسها البعض منهم; كقبور الموتى وبعض الأشجار التي رُمز لها (بشجرة عيد الميلاد) وبعض الجبال وغيرها ، ونذكر هنا تقديسهم وحجهم للقبور القديمة :
كانت طريقة الدفن المسيحية آخر ما تُكرَّمْ به حياة المسيحي ، ذلك أن من عقائد دينهم عودة الحياة إلى الجسم والروح ، ولهذا كان يُعنى بالميت أشد عناية ، فيقوم قسيس بالخدمة الدينية للميت وقت دفنه . . . فكان العمال يحفرون طرقات طويلة تحت الأرض مختلفة البُعد عن سطحها ، توضع فيها أجسام الموتى في دياميس بعضها فوق بعض ممتدة على جانبي هذه الطرقات ، وسار الوثنيون واليهود على هذه السنة نفسها ، ولعلهم فعلوا هذا ليسهلوا مشقة الدفن ونفقاته على الجمعيات التي كانت تقوم بهذه المهمة . ويبدو لنا أن بعض هذه الطرقات قد جعلت ملتوية عمداً ، وقد يبعث على الظن بأنها كانت تستخدم كمخابىء في أوقات الاضطهاد ، فلما أن علا شأن المسيحية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ(1) أي تجلت للأطفال الثلاثة .
--[188]--
وانتصرت على أعدائها زالت عادة دفن الموتى في السراديب ، وأضحت الدياميس أماكن معظمة آ«يحجُّآ» اليها الناس (1) .
والظاهر أنّ هذه الدياميس بقيت محجة لمئات السنين حتى حلَّ القرن التاسع الميلادي ، سدّت السراديب ونسيها الناس ، ولم تُكشف إلاّ بطريق المصادفة عام (1578) ميلادية (2) .
وكذلك عادة تقديس بعض الجبال وبعض الأشجار ، فقد انقرضت بظهور عادة الحج إلى رومة وفاطيما ولورد والقدس وغيرها من المقدسات الحديثة . . .
تلخيص واستنتاج
والحج المسيحي هو الآخر ليس حجاً إلهياً صحيحاً ، وذلك بسبب من أصل العقيدة التي اختاروها أو صنعوها ومزجوا بها بين الله والانسان ، فديانتهم التي اختارتها عقولهم رأت أن المسيح (عليه السلام) هو الإله (الابن) المكمل للإله الحقيقي ، فالمسيحية هي ديانة ذات إلـهين وليس إلهاً واحداً ، وأن ديناً له أكثر من إله واحد ليس ديناً توحيدياً . . .
وكما ذكرنا في المقدمة ما قالته (بربارة براون) الكاتبة الأمريكية التي أسلمت عن قناعة راسخة بعد أن رأت أن المعتقدات المسيحية كلّها تدور حول الإله الابن (عيسى (عليه السلام)) وقالت : آ«إنّ المسيحية هي ديانة ذات إلـهين وليس إلهاً واحداًآ» (3) ، والأعياد والصلاة و . . . و . . . كلّها موجهة إلى عيسى المسيح . . .
وكذلك الحج عندهم ليس عبادة خالصة موجهة إلى الواحد الأحد ـ كما عند المسلمين ـ بل هي مرتبطة إما بشخص عيسى (عليه السلام) أو مكان ذكرياته كمسقط رأسه أو العود الذي صُلب عليه ، أو المكان المرتبط بالسيدة العذراء مريم (عليها السلام) إذا تجلت لهم في خيال أو تصور أو منام أحدهم أو للمغالين منهم . . .
ومن هنا تبين الانحراف والابتعاد عن الحج الحقيقي ، الذي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ(1) انظر قصة الحضارة 6 ، 11 : 285 ـ 286 .
(2) المصدر نفسه .
(3) نظرة عن قرب في المسيحية : 13 .
--[189]--
وضع الله الواحد الأحد هدفه الأسمى والأول والآخر ، وغير ذلك لا يمكن أن نعتبره حجاً بأي حال من الأحوال مهما كان صاحبه مخلصاً ، ومهما عمل من الأعمال والمناسك الدينية . . .
فالحج عند النصارى إذن ليس مرتبطاً بالإله الحقيقي بالمرة ، وإنما مرتبط بالإنسان الذي خلقه الله تعالى للبشر; ليُبشر ويُنذر وليبين الحق من الباطل . . . والنبي عيسى (عليه السلام) ما هو إلاّ بشرٌ مثلنا يُشاركنا ونشاركه بالإنسانية ، اصطفاه الله تعالى ليكون رسولا نبياً . وأمه أيضاً لا يمكن أن تُعبد أو أن تكون في مقام أُم الإله اليسوع ـ كما يدّعون ـ ، فهي امرأة انسانة ، لكنها وصلت مرحلة الأولياء الصالحين نتيجة علاقتها بالله وعبوديتها الحقّة له ، ممّا جعلها سيدة نساء زمانها ، وأمّ نبي الله .
وأمّا النصارى فقد أشركوا بالله تعالى ، حين جعلوا لعيسى (عليه السلام) واُمّه (عليها السلام)مقام الإلوهية . . .

